ببساطة، يُقصد بعزل الكربون في التربة نقل الكربون الموجود في الغلاف الجوي إلى التربة باستخدام النباتات كوسيط. ولكن لفهم هذه العملية فهمًا كاملًا، نحتاج إلى فهم معناها الحقيقي وسبب أهميتها.
يُعد الكربون (C) عملة طاقة تدعم الحياة على الأرض. ويمكن العثور عليه كعناصر بناء للكائنات الحية - سواء كانت نباتات أو حيوانات - وكغاز في الهواء، ومذابًا في الماء في المحيطات والمسطحات المائية، وأخيرًا، مخزنًا مع مركبات معقدة من المواد المتحللة في التربة.
تحتوي الأرض على كمية محدودة من الكربون، الذي ينتقل من مكان إلى آخر ويتشكل منه شيء ما بانتظام، وهو ما نسميه دورة الكربون. دورة الكربون هي ظاهرة طبيعية تجعل الحياة ممكنة على هذا الكوكب.
فعلى سبيل المثال، تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي كمادة خام لعملية التمثيل الضوئي لتنمية كتلتها الحيوية. ويُطلق الكربون المخزن بهذه الطريقة في الغلاف الجوي من خلال عملية التنفس في النباتات وكذلك في الحيوانات التي تتغذى على تلك النباتات.
يُطلق الكربون أيضًا مباشرةً في التربة عند موت النباتات وتحلل كتلتها الحيوية. ويُعدّ هذا الشكل الأخير من إطلاق الكربون من الكتلة الحيوية الميتة وترسبه في التربة المبدأ الأساسي وراء عزل الكربون في التربة.
ونتيجة لذلك، تساعد التربة في احتجاز الكربون على سطح الأرض، الأمر الذي لا يزيد من خصوبة التربة فحسب، بل يمنع أيضًا الكربون من الهروب إلى الغلاف الجوي.
الآن، نعلم أن الزيادة في مستوى ثاني أكسيد الكربون، وهو غاز دفيئة، في الغلاف الجوي هي أحد المساهمين الرئيسيين في أكبر تهديد واجهته الأرض والبشرية على الإطلاق في شكل تغير المناخ.
إلا أن الممارسة الواسعة النطاق للزراعة المكثفة في القرون الأخيرة أدت إلى انتقال سريع للكربون من التربة إلى الهواء. ويهدف عزل الكربون في التربة إلى عكس هذا الاتجاه عن طريق زيادة تخزين الكربون في التربة، وبالتالي تعويض الكميات الهائلة من الكربون التي تُدفع إلى الغلاف الجوي للأرض، للمساعدة في تخفيف وتيرة وتأثير تغير المناخ.
كيف تتم عملية عزل الكربون في التربة؟
في النظم الإيكولوجية الزراعية، يُعرف عزل الكربون في التربة أيضًا باسم الزراعة الكربونية، والتي تشمل اعتماد ممارسات وأنشطة إدارة الأراضي الزراعية التي تسهل إما امتصاص المزيد من الكربون بواسطة التربة أو زيادة الاحتفاظ بالكربون الموجود بالفعل في الأراضي الزراعية.
كيف يصل الكربون إلى التربة؟
تتم إضافة الكربون إلى التربة بطريقتين مختلفتين وبشكلين مختلفين. الأولى هي العملية الأكثر شيوعاً، والتي تتضمن تحويل ثاني أكسيد الكربون من الهواء إلى كربون عضوي في التربة.
تصنع النباتات غذاءها في وجود ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ويتحول الغذاء الناتج إلى سكريات (مكونة من الكربون) تُخزن في أنسجة النبات. وتحتفظ الغابات بالكربون على هذا النحو لعقود أو حتى قرون. أما المحاصيل الزراعية قصيرة الأجل، فتُطلق الكربون في التربة بعد موتها وتحللها.
يتم تخزين الكربون أيضًا في التربة في شكل آخر يسمى الكربونات، والتي تتكون عندما يذوب ثاني أكسيد الكربون الجوي مباشرة في الماء ويتم تخزينه في أشكال غير عضوية من خلال الاتحاد مع العديد من المعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم.
يُمكن لهذا النوع من تخزين الكربون الاحتفاظ به لآلاف السنين، على عكس الكربون العضوي في التربة الذي لا يدوم سوى بضعة عقود. ومع ذلك، ونظرًا لإمكانية التحكم في مستوى الكربون العضوي في التربة في النظم الزراعية وتعزيزه من خلال ممارسات إدارة الأراضي المُوجّهة، فإنه يحمل إمكانات هائلة في زيادة إنتاجية الأراضي الزراعية، فضلاً عن كونه تقنية فعّالة لخفض الانبعاثات في الغلاف الجوي.
ممارسات الإدارة لزيادة تخزين الكربون في التربة وإزالة ثاني أكسيد الكربون الصافي
تم تحديد واكتشاف العديد من التدخلات في إدارة الأراضي الزراعية والتي تؤدي إلى زيادة مخزون الكربون في التربة من خلال إزالة الكربون الجوي ثاني أكسيد الكربون.
تُستخدم بعض هذه التدخلات لتقليل كمية فقدان الكربون من التربة، بينما تُستخدم بعضها لزيادة كمية الكربون في التربة، في حين أن بعضها الآخر يجمع بين فوائد كلا التأثيرين.
بعض هذه الممارسات هي ممارسات موجودة يسهل تبنيها للغاية، بينما البعض الآخر عبارة عن مناهج مبتكرة أو تجريبية قد لا تكون قابلة للتطبيق على المزارعين العاديين اليوم ولكنها تُظهر نتائج واعدة للمستقبل.
دعونا نلقي نظرة على بعض ممارسات الإدارة التقليدية التي تُعرف أيضًا باسم أفضل ممارسات الإدارة لعزل الكربون في التربة الزراعية.
1. الزراعة بتقليل الحراثة أو الزراعة بدون حراثة
الحراثة هي عملية تقليب التربة بشكل دوري، عادة قبل البذر، لإعداد الأرض لتكون مناسبة لإنبات البذور ولإدارة المحاصيل المتبقية الموجودة في الأرض.
تُعد عملية الحراثة سببًا رئيسيًا لإزالة الكربون من التربة ومباشرة إلى الغلاف الجوي لأنها تعرض الكربون العضوي في التربة للهواء، ومن خلال عملية التهوية، ينبعث على شكل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وعلى العكس من ذلك، فإن تقليل عمليات الحراثة هو ممارسة إدارية تهدف إلى تقليل كمية فقدان ثاني أكسيد الكربون من التربة.
في الزراعة التقليدية، تُحرث الأراضي بكثافة. إلا أن الزراعة الدقيقة والزراعة المتقدمة قللت بشكل كبير من الحاجة إلى الحرث. وتُعرف ممارسة الزراعة التي لا تتضمن أي عملية حرث خلال دورة المحصول بالزراعة بدون حرث.
يلجأ المزارعون في المقام الأول إلى أساليب الزراعة المخففة والزراعة بدون حراثة للحد من تآكل التربة. ومع ذلك، أثبتت الدراسات أن فوائد هذه الممارسات تتجلى في ارتفاع نسبة احتفاظ التربة بالكربون العضوي.
ومع ذلك، فإن تأثير تقليل الحراثة في الحفاظ على الكربون الموجود في التربة من الأراضي يمكن أن يتأثر بعوامل أخرى مثل حالة الرطوبة وتضاريس الأرض وما إلى ذلك.
2. المحاصيل الغطائية ودورات المحاصيل: هل تعمل المحاصيل الغطائية على عزل الكربون؟
يمكن أن يؤدي إدخال المحاصيل الغطائية في دورة تناوب المحاصيل في الأراضي الزراعية إلى فوائد مزدوجة لعزل الكربون في التربة. فمن جهة، تُعدّ المحاصيل الغطائية، الغنية بالعناصر الغذائية بطبيعتها، مصدراً مثالياً للكربون في التربة من خلال التغطية.
من ناحية أخرى، فإن تغطية الأرض على مدار العام، وخاصة بين الحصاد وإعادة الزراعة عندما تكون التربة قد تعرضت للعوامل الجوية، يقلل بشكل كبير من كمية الكربون المفقودة في الغلاف الجوي.
على غرار ما سبق، تتمتع المحاصيل الغطائية بفوائد أخرى متعددة إلى جانب تخزين الكربون مثل الاحتفاظ بالرطوبة، وزيادة الخصوبة، ومصدر دخل ثانوي، وما إلى ذلك.
بدلاً من ذلك، وللحصول على فوائد مماثلة، يمكن استبدال استخدام المحاصيل الغطائية باتباع ممارسات الزراعة المتواصلة، حيث تغطي دورة المحاصيل كامل العام مع فترة راحة قصيرة. ومع ذلك، لا ينبغي استخدام هذا النظام المكثف إلا إذا كانت التربة قادرة على تحمل الضغط الناتج عن زيادة استهلاك العناصر الغذائية والرطوبة بشكل مستدام.
3. التحول إلى محاصيل معمرة
يُعدّ تحويل الأراضي الزراعية السنوية إلى محاصيل معمرة كالأشجار والأعشاب من أكثر الطرق فعالية لزيادة مخزون الكربون العضوي في التربة. ورغم أن تحويل الأراضي الصالحة للزراعة إلى مراعي وأحراش قد ينظر إليه المزارعون بعين الشك، إلا أنه قد يكون في كثير من الحالات الطريقة الأمثل لتحقيق هدفنا.
فعلى سبيل المثال، في المناطق المعرضة بشدة لتدهور الأراضي أو في الأراضي الزراعية التي استنفدت خصوبتها، فإن زراعة الأعشاب والأشجار المعمرة لا تحمي تلك الأراضي وتستعيدها فحسب، بل ستؤدي أيضًا إلى زيادة كبيرة في تخزين الكربون العضوي في التربة بالإضافة إلى تخزين الكربون على شكل كتلة حيوية.
علاوة على ذلك، فإن التحول من المحاصيل السنوية إلى المحاصيل المعمرة لا يعني بالضرورة تحولاً كاملاً. فالزراعة الحراجية نظام زراعي فريد يجمع بين المحاصيل السنوية والمحاصيل المعمرة والأشجار.
إنها واحدة من أفضل طرق الزراعة التي تضمن الأمن الغذائي، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وحماية الأراضي، وفي حالتنا، عزل الكربون في التربة.
4. إضافة السماد العضوي والكمبوست
تُضيف هذه الممارسة الإدارية الكربون بشكل مباشر في صورة عضوية إلى التربة، مما يؤدي إلى زيادة مخزون الكربون العضوي في أراضينا الزراعية. علاوة على ذلك، فإن إضافة السماد العضوي أو الكمبوست ستزيد من خصوبة التربة، وبالتالي تحسين إنتاجية المحاصيل.
سيؤدي ذلك إلى زيادة امتصاص الكربون بواسطة النباتات، بالإضافة إلى إضافة المزيد من الكربون إلى التربة.
أحد الأمور المهمة التي يجب مراعاتها عند استخدام هذه الممارسة الإدارية كوسيلة لإزالة الكربون من الغلاف الجوي هو أن الكربون الذي نضيفه مباشرة إلى التربة على شكل سماد قد تمت إزالته بالفعل من الغلاف الجوي.
لذا، قدر الإمكان، ولزيادة نطاق الزراعة الكربونية في الأراضي الزراعية، ستكون الأسمدة التي تم إعدادها داخل المزرعة هي الخيار الأفضل لتحقيق قدر أكبر من المساءلة والفعالية الشاملة.
يمكن زيادة عزل الكربون في التربة الزراعية باستخدام تدخلات وممارسات إدارية مختلفة، مثل تلك المذكورة سابقًا. وسيؤدي ذلك إلى مجموعة من الفوائد للمزارعين، أبرزها زيادة المحصول من خلال تحسين خصوبة التربة.
كما أن اعتماد هذه الممارسات الإدارية على نطاق واسع سيؤدي إلى إزالة غازات الدفيئة الرئيسية من الغلاف الجوي، ويمكن أن يعوض المخاوف الجدية التي يشكلها الاحتباس الحراري وتغير المناخ على مستقبل الزراعة على كوكبنا.
علاوة على ذلك، من خلال الزراعة الكربونية وآليات ائتمان الكربون، يمكن للمزارعين كسب مبالغ كبيرة من المال بمجرد تبني هذه الممارسات، مما يعزز الهدف الرئيسي المتمثل في زيادة إنتاج المحاصيل.
وأخيراً، فإن الخطوة الأولى للمزارعين نحو استخدام عزل الكربون في التربة كوسيلة لزيادة المحصول والدخل بالإضافة إلى ضمان الاستدامة البيئية هي فهم التربة بشكل أفضل.
لأخذ عينات من التربة ومخزون الكربون بشكل منهجي وعلمي، من المفيد استخدام حلول تكنولوجية مثل تحليلات بيانات التربة بواسطة جيبارد.
كما ذكرنا سابقاً، فإن مستوى الكربون الذي يمكن للأراضي تخزينه يعتمد على العديد من العوامل الداخلية والخارجية. لذا،, قياس الأداء الميداني و تحليلات الطبوغرافيا هي أدوات فعالة لتحديد أولويات أرضك للزراعة الكربونية.
الأسئلة الشائعة
1. ما هي التربة؟
التربة هي الطبقة العليا من سطح الأرض، وتُشكّل بيئة طبيعية لنمو النباتات. وهي مزيج من المواد العضوية والمعادن والهواء والماء وعدد لا يُحصى من الكائنات الحية الدقيقة. تُوفّر التربة العناصر الغذائية الأساسية والدعم والتثبيت للنباتات، مما يسمح لها بالنمو والتجذّر.
تُعدّ التربة خزاناً للمياه والمغذيات، وتلعب دوراً حاسماً في دورة المغذيات، كما تُشكّل موطناً لمجموعة متنوعة من الكائنات الحية. إنها مورد قيّم يدعم الحياة، وضروري للزراعة ووظائف النظام البيئي.
2. ما هو احتجاز الكربون في الزراعة؟ وكيف تعمل الزراعة الكربونية؟
يشير مصطلح احتجاز الكربون في الزراعة إلى عملية التقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون (CO2) من الغلاف الجوي في النظم الزراعية، وذلك بشكل أساسي من خلال النباتات والتربة. وتساعد هذه العملية في التخفيف من آثار تغير المناخ عن طريق تقليل تركيز غازات الاحتباس الحراري.
3. كيف تقوم التربة بعزل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي؟ وكيف تقوم النباتات بعزل الكربون؟
تقوم التربة بعزل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي من خلال عملية تُعرف باسم عزل الكربون. تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية التمثيل الضوئي وتحوله إلى مركبات كربونية عضوية، والتي تُطلق بعد ذلك في التربة من خلال جذورها وموادها النباتية المتحللة.
تعمل المواد العضوية في التربة كمستودع للكربون، حيث تخزنه لفترات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الكائنات الحية الدقيقة في التربة دورًا حيويًا من خلال تحليل المواد العضوية وتحويلها إلى أشكال مستقرة من الكربون.









